سيد محمد طنطاوي

366

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وتطييب لنفوسهم ، واستجلاب لمسارهم ، أو لجر منفعة وحطام دنيا ، أو لتقية ، أو لبخل بالعلم وغيره من أن ينسب إلى غيرهم ، وعن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال : « من كتم علماء عن أهله ألجم بلجام من نار » وعن علي رضى اللَّه عنه ، قال : « ما أخذ اللَّه على أهل الجهل أن يتعلموا حتى خذ على أهل العلم أن يعلموا » « 1 » . وقال ابن كثير عند تفسيره للآية الكريمة : هذا توبيخ من اللَّه وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ اللَّه عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وأن ينوهوا بذكره في الناس فيكونوا على أهبة من أمره ، فإذا أرسله اللَّه تابعوه ، فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف ، والحظ الدنيوي السخيف ، فبئس الصفقة صفقتهم ، وبئست البيعة بيعتهم ، وفي هذا تحذير للعلماء من أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم ويسلك بهم مسلكهم ، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع ، ولا يكتموا منه شيئا » « 2 » . ثم حكى - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل أهل الكتاب المتعددة ، وهي أنهم يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، ويفرحون بما أتوا ، وبين سوء عاقبتهم بسبب تلك الأخلاق القبيحة فقال : * ( لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا ، ويُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ، فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * . والخطاب في قوله * ( لا تَحْسَبَنَّ ) * موجه إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أو لكل من يصلح له الخطاب . والنهى موجه إلى حسبان أن يكون في هؤلاء الأشرار خير . أي أن اللَّه تعالى ، ينهى نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، نهيا مؤكدا عن أن يظن خيرا في هؤلاء الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا . و « المفازة » مصدر ميمى بمعنى الفوز . وقيل هي اسم مكان أي محل فوز ونجاة . والمعنى : لا تظن يا محمد أن هؤلاء الأشرار * ( الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا ) * أي يفرحون بما فعلوا من بيعهم الدين بالدنيا واستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير ، والذين * ( يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ) * أي يحبون أن يمدحهم الناس على ما لم يفعلوه من الوفاء بالعهود ، ومن إظهار الحق وعدم كتمانه ، فإنهم فعلوا الشرور والآثام . ثم لم يحاولوا أن يستروا ما اقترفوه من آثام ، بل

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 346 . بتصرف يسير . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 436 .